Posted by: Mermaid | June 15, 2018

عن عم جمعة، الآخرين، حمزة، والزهر الذي يبعث من جديد

أغير طريقي المعتاد قليلًا لأمر بذلك المشتل. أدلف داخله فأجده خاوي. أتجول لبعض الوقت قبل أن يظهر عم جمعة. يبتسم ابتسامته الواسعة عندما يراني: “كيف حالك يا أستاذة؟” “الحمد لله يا عم جمعة. كيف حالك أنت؟” نبدأ حديثنا كالمعتاد عن الزرع وطلبي لترشيحه لنباتات مزهرة. لا أتذكر تماما كيف أخذنا الحديث إلى وحدة الإنسان وضعفه. ربما حدث هذا عندما اشتكيت له أن بعض زرعي يهزل ويذوي. فيقول لي الطيب: “لا تحزني على الزرع عندما يضعف ويموت. يحدث هذا لنا.” أتذكر ذلك العضو المنكمش داخل صدري والذي يضخ ألمًا إلى كل خلايا جسدي.ا

يأخذنا الحديث لأكثر من ثلث ساعة وأضطر أن اتركه مكرهة حتى لا أتأخر على العمل. “لا تحزني على الزرع” أذكر نفسي، يحدث أن يهزل النبت. يحدث أن يهزل القلب. ولكنني لازلت أتنفس. الله كريم. أتذكر الآخرين، هؤلاء الذين ألصقوا كتفهم بي وقت التفتت فلم أسقط. كنت أريد في أحيان كثيرة أن أسقط، أن ألصق وجنتي بالأرض وأتبخر. لكنهم لم يدعوني. بقدر ما أذهلني الألم، بقدر ما أذهلني هؤلاء الذين لم أتوقع ذلك الاهتمام المحتضن منهم. الكثير من المحادثات الهاتفية المُلَطِفة، الرسائل التي لا أستطيع عدها، ثم الدعوات التي كانت تنهمر علي بعلمي وبغيره. أراني الله تلك النِعم الأخرى والبركات. نِعم الآخرين. أنا ممتنة جدًا جدًا جدًا.ا

منذ بضعة أيام، أشعر بالثقل. وكعادتي، أنسل إلى غرفتي عندما أشعر بتهديد مالح في الأفق. أستلقي فينبثق نبعان رفيعان من عينيّ. أسمع طرق خافت على باب الغرفة. “دودو، هل أستطيع أن أنام بجوارك؟” “بالطبع، حبيبي.” يستلقي خلفي في هدوء وبلطف يطوقني بذراعه النحيل. يا إلهي، كيف لإيماءة بسيطة كهذه أن تلمم شتات النفس! حمزة، لازال هو الأقرب.ا

اشتريت زرعة فُل منذ عام، أنبتت زهرة أو اثنتين ثم اكتفت ببعض الورق الأخضر الباهت لأكثر من عشرة شهور ثم ذبل. أسقيه لبعض الوقت ثم أستسلم فأكف عن إهدار الماء. أذكر نفسي بأنني يجب أن أتخلص من تلك النبتة حيث أن الزرع الذابل يصيبني بالاكتئاب. بعد أكثر من شهر من الجفاف، ألاحظ ورقة خضراء! ما هذا! أتحسسها لأتأكد فأجد الحياة العنيدة تعلن عن نفسها بكل إصرار في تلك الورقة اللينة. أرويها بحماس وسعادة غير مصدقة! لم أكن آمل في أكثر من بضع ورقات بضة أخرى لكنني أستيقظ في يوم على هذا

IMG_20180615_120536 - Resized

أزهر الفل! لم تتحول النبتة كلها لورق أخضر. ما زال الذبول هناك لكن الأخضر والأبيض ينبتان من وسط الموت كعنقاء تصر على وتتشبث بالحياة. يخطف قلبي اللون الأبيض ورائحة الفل الرائعة.ا

أحمد الله أنه رغم انفطار القلب، لازال هناك آخرون يلصقوا قطعنا المفتتة ببعض فنتماسك، لازال هناك عم جمعة ليقول لي: “لا تحزني على الزرع”، حمزة ليحتضنني فيلملم كسري. أحمده أن الزهر والنبت والحياة بيده. أحمده أنه كريم، أنه الأكرم.ا

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: