Posted by: Mermaid | March 22, 2019

يوجا

بعدَ تراجُعِ هجَماتِ السُّعالِ في أوائلِ الشِّتاءِ الحَالِيِّ، ينصحُني طبيبي الذي يعرِفُني لأكثرَ منْ خمسةِ أعوامٍ أنْ أمارِسَ رياضَةَ اليُوجَا. يبدُو أنَّهُ استطاعَ بِحُنْكَتِهِ أن يرى ما وراءَ الوجهِ الهادِئِ. أَعِدُهُ أنْ أفعلَ. بدأتُ منذُ شهرٍ في الِانْتظامِ معَ تلك المدرِّبَةِ الرائعَةِ سارَّةَ. بعضُ الجلَساتِ، أكونُ بمفردِي معها فأشعُرُ بالسعادةِ لذلِكَ.

في خلالِ هذا الشَّهْرِ، اكْتشفتُ أنني أحيانًا أنسى أنْ أتنفَّسَ. لا تفتأُ سارَّةُ تُذَكِّرُني أنْ أتنفَّسَ. ولا أفتأُ أَغْفُلُ عنِ التَّنفُّسِ. أَكْثَرُ وقتٍ لا أستمتِعُ بهِ هوَ آخِرُ خمسِ دقائِقَ حيث تمرينِ التَّأَمُّلِ عندَما تطلُبُ منَّا سارَّةُ أنْ نستلقِيَ على ظهورِنا ونُغْمِضَ أعيُنَنَا ونتخيَّلَ أنَّنا في وَسَطِ الطَّبِيعَةِ. أُخْفِقُ إخفاقًا ذريعًا في الهرَبِ منْ حياةِ المدينةِ داخِلَ رأسِي لأذهبَ إلى ذلكَ المكانِ، فأكتَفِي بأنْ أسترخِيَ في صمتٍ متملمِلٍ حتى تعودَ سارَّةُ إلينا منْ ملجَئِها لِنُنْهِيَ الجَلْسَةَ.

اليومَ أذهبُ في موعدِ المحدد. أجدُها بمفردِها. نبدأُ بتمارينِ التَّمَدُّدِ تتخلَّلُها تمارينُ التَّنفُّسِ. تقترِبُ الحِصَّةِ منْ الِانْتهاءِ. تأخُذُ سارَّةُ وَضْعَ اليوجا الشهيرَ فأفعلُ مثلَها. تسألُني ماذا أريدُ حتى نأخُذَ الوضعَ المناسِبَ؛ التَّحكُّمَ في الشَّهِيَّةِ، الِاسْترخاءَ…. أقاطِعُها بلطفٍ: “التَّحَكُّمُ في الغضبِ.” تصِلُ إبهامَها بسبَّابَتِها وتُريحُ ظهْرَ يدِها على رُكْبَتِها. أحاكِي حركَتَها. تقولُ بصوْتِها الرائِقِ: “أَغْلِقي عينَيْكِ. تَخَيَّلِي أنَّكِ بمكانٍ جميلٍ” يَنْسَلُّ صوتُها بعيدًا عنْ مسامِعِي. بسلاسَةٍ، أجِدُني في غابةٍ وصوْتُ مصدَرِ ماءٍ بالقُرْبِ يملؤُني. وبلا أيِّ مقدِّماتٍ أشعُرُ بجفنَيَّ وشفتَيَّ ترتعشُ. فجأةً، تهديدٌ بدموعٍ لمْ أرَها قادِمةً ولا أعرفُ لها سببًا. أسألُ نفسي: هل أريدُ أنْ أقاوِمَ؟ أتنفَّسُ فتُمْطِرُ على سَجَّادَتِي. أسمَعُ العَبَرَاتِ تتساقَطُ الواحدةَ تِلْوَ الأُخرَى في تواتُرٍ حميمٍ غيرِ منتظِمٍ. لا أعبأُ بأنَّ سارَّةَ تجلِسُ أمامِي ورُبَّمَا تفتحُ عينَيْها لترَى روحِيَ عارِيَةً بينَ اختلاجِ قسَماتِ وجهى وتدفُّقِ النَّهرَيْنِ المالِحَيْنِ حتى مَصَبِّ ذقْنِي. ما زِلْتُ هناكَ، في الغابَةِ. أسمعُ خُطُواتِي على أوراقِ الشَّجَرِ المتساقِطَةِ. أشُمُّ رائحَةَ الأرضِ. أرْفَعُ وجهي إليهِ وأُخْبِرُهُ أنني راضيةٌ وأنني أشتاقُ للسكونِ الأخيرِ. يفيضُ النهرانِ أكثرَ. أجلِسُ بجوارِ شجرةٍ متوسِّطَةِ الحجمِ وأتَّكِئُ عليها. قبلَ أنْ أريحَ رأسِي، أسمعُ صوتَ سارَّةَ يدعوني إلى أنْ أعودَ إلى الغرفةِ المغلَقَةِ. أَفتَحُ عينيَّ بِثِقَلٍ. أمسحُ وجهيَ المبلَّلَ بكفَّيْنِ مُجْهَدَيْنِ. نُدلِّكُ الوجْهَ والرَّقَبَةَ والكَتِفَ لدقيقةٍ ثمَّ نَحْنِي رأسَيْنَا إحدانا للأخرى بالتَّحِيَّةِ. نَبتسِمُ ونتبادلُ بعضَ الكلماتِ قبْلَ أنْ تَلُفَّ كُلٌّ مِنَّا سَجَّادَتَها وتنطَلِقَ في طريقِها.

أَدْلُفُ إلى سريرِي. ما زلتُ أشعُرُ بالتَّرَنُّحِ قليلًا مِنْ أثَرِ مفاجأةِ العبَراتِ. لكنني مُمْتَنَّةٌ لَهُنَّ، وممتنةٌ لي أني لَمْ أقاوِمْهُنَّ. وممتنةٌ لهُ على اختياراتِهِ لي على الرغمِ منْ ندوبِ القلبِ. الآنَ أريدُ أنْ أنامَ. أنْ أُغْمِضَ عَيْنَيَّ وأنامَ. طويلًا.

Advertisements

Responses

  1. رائعة! الكتابة من القلب بدماء القلب وريشة من السحر.

  2. Or they’ll barely touch about the subject and contain nothing
    of any interest to anyone. It helps kids build short and long term memory while helping them concentrate
    on manual skill. This is where a good many traffic connected. http://Urls.gorean.biz/oceankingnugget579157


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: